
في أولى خماسية "مدن الملح" لعبد الرحمن منيف والمُعنونة بـ"التيه" يتكلم منيف عن عصر ما قبل النفط في الخليج العربي، وفي روايته هذه المُكونة من 600 صفحة تقريباً يبدع منيف في وصف الحال باستخدام أسماء وهمية للشخصيات وللأماكن كمتعب الهذال ووادي العيون وحران وغيرها.
"التيه" تحكي في مجملها قصة وصول أولى حملات التنقيب عن النفط في الخليج العربي، وكيف تعامل معها المواطنون بقلق رغم تعليمات وتوصيات "الأمير" و "الحكومة" وكيف حاربها البعض بالكلام إن لم يكن بالفعل، وكيف تمكنت تلك الحملات من فرض نفسها بقوة الإعتماد على الحكومة حتى وصل الحال بالمواطنين إلى العمل لديها وهم يلعنوها، قبل أن تكون النهاية على شكل "تظاهرة عمالية" ضد الشركة نتيجةً لطرد بعض العمال لدون سببٍ واضح.
وعلى الهوامش يكون هناك الخوف مما أتى به الأغراب للخليج، فهناك "المُداوي الشعبي" الذي يهاجم ما جاء به الطبيب الحضري وإن كان عربياً، وهناك الأمير الذي يتعامل بدهشة وغرابة وطفولية وخوف أحياناً مع الأشياء الجديدة من منظار وراديو وسيارة وغيرها من الأدوات. وهناك أيضاً تفاصيل حياة بعض البشر وبعض حوادث القتل أو الأمور التي لا تفسير لديها.
ومن مميزات العمل "المنيفي" هذا - إن صح الوصف- أنه لم يرتكز على شخصية محورية واحدة (البطل) بل انتقل بسلاسة بين مختلف الشخصيات والأماكن لتصب "التيه" - إن صح الوصف هنا، ولا أراه يصح- مجموعة من القصص القصيرة، ولكن هذه القصص القصيرة متشابكة ومترابطة في مجملها ولذلك فهي تُشكل رواية رائعة ضخمة في النهاية. وهذه الميزة رائعة جداً لأنها تصب في مصلحة تصوير الواقع كما هو.
و "منيف" الذي أبدع في تصوير الأماكن والأشخاص نجح في وصف الحال كما هو قبل النفط فهناك البطل الأسطوري الذي يظل خالداً رغم اختفاؤه ويُنسب إليه كل عمل بطولي ويدعي الكثيرون رؤيته رغم أنه اختفى قبل سنين، وهناك الأساطير أو "البركات" حول ظهور الموتى بعد وفاتهم أو استشهادهم، وهناك الخوف من كل ما هو جديد والإرتكان للتقاليد، ولا ننسى طبعاً نسبة كل شيء لا يمكن تفسيره للجن والشياطين ومحاولة محاربته عبر الدين.
من المفروض أن تكون "مدن الملح" مجموعة روائية سياسية في المقام الأول - وهذا هو سبب منعها من التدوال في دول معنية- ولكن في "التيه" لم تفرض السياسة نفسها بقوة بعد.
ختاماً يخطر ببالي تساؤل - أو فكرة!- حول كتابة تاريخ عمان السياسي/الإجتماعي/الإقتصادي بنفس الإسلوب في رواية ملحمية طويلة تُشكل أحداث - وليس "أهم الأحداث"- القرن الماضي إلى يومنا هذا، فبالرغم من وجود قصص وروايات معدودة تُسجل تاريخنا ذاك إلا إنها ليست بالكم الكافي أبداً.
وفي ما بعد الختام "أغبط" منيف على نفسه الملحميّ الطويل الذي أخرج لنا هذه الرائعة.
لم أتصالح مع منيف إلى الآن! ربما ستصالحني هذه الرواية!
ردحذفذكرت نقطة مهمة وهي غياب التاريخ العماني عن الرواية والقصة العمانية، نتمنى أن لا يستمر الوضع على هذا الحال..